القرطبي
332
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : هذا فيه نظر ، فإن الله عز وجل يقول : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون . - إلى قوله - " لا يحزنهم الفزع ( 1 ) الأكبر " [ الأنبياء : 101 - 103 ] وقال في غير آية : " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ( 2 ) [ البقرة : 62 ] وقال : " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا " ( 3 ) [ فصلت : 30 ] [ الآية ] ( 4 ) . وهذا عام فلا يتغير بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده وجه المحسن بسواد من كآبة ولا حزن ، ولا يعلوه شئ من دخان جهنم ولا غيره . ( وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) ( 5 ) . قوله تعالى : والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( 27 ) قوله تعالى : ( والذين كسبوا السيئات ) أي عملوا المعاصي . وقيل : الشرك . ( جزاء سيئة بمثلها ) " جزاء " مرفوع بالابتداء ، وخبره " بمثلها " . قال ابن كيسان : الباء زائدة ، والمعنى جزاء سيئة مثلها . وقيل : الباء مع ما بعدها الخبر ، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه ، والمعنى : جزاء سيئة كائن بمثلها ، كقولك : إنما أنا بك ، أي وإنما أنا كائن بك . ويجوز أن تتعلق بجزاء ، التقدير : جزاء سيئة بمثلها كائن ، فحذف خبر المبتدأ . ويجوز أن يكون " جزاء " مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة ، فيكون مثل قوله : " فعدة من أيام أخر " ( 6 ) [ البقرة : 184 ] أي فعليه عدة ، وشبهه ، والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف ، كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها ، أو تكون مؤكدة أو زائدة . ومعنى هذه المثلية أن ذلك الجزاء مما يعد مماثلا لذنوبهم ، أي هم غير مظلومين ، وفعل الرب [ جلت قدرته وتعالى شأنه ] ( 4 ) غير معلل بعلة . ( وترهقهم ذلة ) أي يغشاهم هوان وخزي . ( ما لهم من الله ) أي من عذاب الله . ( من عاصم ) أي مانع يمنعهم منه .
--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 345 . ( 2 ) راجع ج 1 ص 327 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 15 ص 357 . ( 4 ) من ع . ( 5 ) راجع ج 4 ص 166 . ( 6 ) راجع ج 2 ص 272 فما بعد .